الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
62
نفحات القرآن
لقد ورد نفس هذا المعنى بشيء من الاختلاف ( إيتاء كتاب أعمال الأبرار باليمين والفجار بالشمال ) في الآية الثانية عشرة من الآيات السالفة الذكر : « فَأَمّا مَن أُوتِىَ كِتابَهُ بيَمِينِه فَسَوفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسيراً * وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً * وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَرآءَ ظَهْرِهِ * فَسَوفَ يَدْعُوا ثُبُوراً * وَيَصْلى سَعِيراً » . فذكرت الآيات السابقة أنّ كتاب أعمال الفجار يؤتى بالشمال ، أمّا هذه الآيات فذكرت أنّ كتاب الفجار يوتى ( وراء الظهر ) ويراد بهذا المعنى أنّ المجرمين عندما يعطون كتبهم بشمائلهم فانّهم ولشدّة حيائهم يجعلون أيديهم وراء ظهورهم حتى تقل رؤية الجمع لهذا السند ، سند الجريمة والفضيحة ، أو لأنّ أيدي الشمال مغلولة وراء ظهورهم فكما أنّهم جعلوا كتاب اللَّه وراء ظهورهم في الحياة الدنيا فهنا تجعل كتب أعمالهم وراء ظهورهم ، أو لكون وجوههم مقلوبة وراء ظهورهم ولأجل رؤية كتب أعمالهم فهم يأخذون كتبهم من وراء ظهورهم ولا منافاة لأيمن هذه المعاني الثلاثة للآية وما ورد في الآيات السابقة . ما المراد ب ( الأهل ) الذي ذكرته الآية الكريمة ؟ قيل : إنّ المراد بالأهل هم النساء والأولاد والآخرين من أهل الإيمان الذين يدخلون الجنّة قبلهم ، وقيل : إنّ الأهل هنا إشارة إلى الحور العين ، وقيل : إنّ المقصود بالأهل هم سائر المؤمنين الذين لهم سبق قدم في الجنّة وذلك لأنّ المؤمنين كلهم أهل لبعضهم البعض ، وفي الحقيقة ( إنّهم جزء من أُسرة واحدة ) ، ونرى أنّ التفسير الأول هو الأنسب بدليل أنّ نفس هذا التعبير ورد في الآية 13 من نفس السورة ويراد به الأسرة والزوجة والأولاد والأقرباء ، واتحاد السياق يدلّ على أنّ المعنى واحد . ولقد قسمت الآية الثالثة عشرة هذا التقسيم ( أصحاب اليمين وأصحاب الشمال ) بشكل آخر : « فَأَصْحَابُ المَيمَنَةِ مَا أَصْحَابُ المَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ » . « الميمنة » : مشتقة من مادة ( اليمن ) بمعنى السعادة والبركة ، ولقد فسرها البعض وقال : إنّها مأخوذة من مادة ( يمين ) أياليد اليمنى ، يقولون : إنّهم الأفراد الذين يعطون كتبهم